هذا الموقع

أنشئ هذا الموقع بباعث الغيرة على تراث فاخر مازال محتاجا إلى من يبث نوره للمخلصين، و وفاء منا لرجال مازالت جهودهم سراجا للسائرين، فهؤلاء الرجال -و بالرغم من غمز الغامزين- مازالت مكانتهم محفوظة في قلوب و عقول العارفين، و ما زالت أعمالهم منارا للحيارى و التائهين.

فالكوثري نسيج  وحده، و بحاثة لا يشق له غبار، كيف لا و عن كتابيه (تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من أكاذيب) و (النكت الطريفة في التحدث عن ردود ابن أبي شيبة على أبي حنيفة)، يقول شيخ الإسلام مصطفى صبري في الجزء الثالث من كتابه موقف العقل: “هما الكتابان الجديران بأن تباهي بهما معاهد الفاتح بدار الخلافة سابقا معاهد الأزهر بمصر”. و عن مقدماته قال عالم حماة الشيخ المجاهد محمد الحامد: “إن مقدمات الكوثري للكتب في غاية الأهمية، بل إن بعضها يفوق في أهميته الكتاب نفسه”. و عن تعليقاته يقول أبو زهرة: “و عرفته في تعليقاته على المخطوطات التي قام على نشرها، و ما كان والله عجبي بالمخطوط بقدر إعجابي بتعليق من علق عليه، لقد كان المخطوط أحيانا رسالة صغيرة، و لكن تعليقات الإمام عليه تجعل منه كتابا مقروءا”. وعن مجلسه يحدثنا عميد كلية اللغة الغربية بجامعة الأزهر بالمنصورة محمد البيومي فيقول: “كان مجلسه العلمي في مسجد محمد أبي الذهب المقابل للجامع الأزهر الشريف بعد صلاة الجمعة في كل أسبوع مجال تسابق علمي بين المحققين… و الكوثري الجليل رحب الصدر، رحب العلم معا، و طبيعي أن يكون هؤلاء الكبار ممن لا يسألون عن غير العويص المستغلِق، و ما أعياهم اكتشاف وجهه بعد  طول الدأب، و عناء المراجعة، و لكن من غير الطبيعي – إلا لدى من اختصه الله بفضله – أن يكون المسؤول الكبير ملما بكل ما يسأل عنه، و كأنه سئل من قبل، فدرس و نقب حتى اهتدى إلى الرأي الصائب، مع بديهة حاضرة تقوم مقام الروية المتئدة عند سواه. و قد يأتيه باحث بمخطوط نادر يظن أنه وحده الذي اطلع عليه، فهو يباهي مباهاة لا تقف عند حد، ثم يفاجأ بأن الكوثري قد قرأ المخطوط في أكثر من نسخة، و أنه يشير عليه بالاطلاع على مخطوطات أخرى في مكاتب العالم الإسلامي عربية و غير عربية، كما يقدم إليه المخطوط النادر، فيعرف من طريق نسخه من الكاتب؟ و في أي سنة كتب؟ و يبدي احتمالات شتى لا تلبث بعد الفحص أن تصير إلى حقائق”. و عن عفته يحدثنا تلميذه البار أحمد خيري في ترجمته للكوثري: “كان على قلة ذات يده أعف من رأيت – و إذا كان التعفف عن الدنيا في هذا الزمان أضحى متعسرا على الميسورين مستحيلا في حق المملقين فإن الله سبحانه و تعالى أراد خرق هذه الاستحالة فأوجد لنا معسرا عفيفا – هو الزاهد الكوثري… و مما هو مشهور بين عارفيه أنه كان لا يقبل أجرا على تعليمه أحدا و لا على تصحيحه كتابا، بل كان يقول…”هل يجتمع هذا مع الأجر في الآخرة؟”. و عن نفسه يقول الكوثري: “أما الكوثري فهو – و لله الحمد – ناصع الجبين جبان رعديد، لا يجترىء على تخطي حدود ما أنزل الله تعالى في ذاته، و صفاته و أحكامه و شريعته، لكنه بطل كرار، حنيفي حنفي يهد الأصنام كبيرها و صغيرها، و يسحق رؤوس عبادها بمقامع الحجج من الكتاب و السنة و المعقول…”.

و إنه قد شاع عن الكوثري -زورا و بهتانا- أنه متعصب لمذهبه لا يرى الحق إلا في أقوال علمائه مع كونه على خلاف ذلك. إلا أن نشر كتب أشبعت تنقصا و تجريحا لأبي حنيفة، جرم ما كان للكوثري أن يقف صامتا مكتوف اليدين قبالته. فما كان منه إلا أن دفع عن أبي حنيفة من يفتري.

يقول الأستاذ أحمد خيري في ترجمته للكوثري: “و رمي المترجم -أي الكوثري- بالتعصب من خصومه مردود بأن مذمة الخصم معللة و تجريجه محجوج لخصومته و بغضه” و يقول الدكتور محمد رجب البيومي: “و الرجل -أي الكوثري- لا يثور إلا حين يرى حقا يشوه و باطلا يزين، بدليل أنه كان متزنا كل الاتزان في رده على ابن أبي شيبة، فيما ألف تحت عنوان (النكت الطريفة في التحدث عن ردود ابن أبي شيبة على أبي حنيفة)، و قد دل هذا الكتاب على عمق فريد، و تخصص بالغ في أعقد مشاكل الفقه و معضلاته”

و نحن هنا نسرد ما يؤكد بعد الكوثري عن التعصب. فهو رحمه الله ماتريدي متصلب في معتقده، و مع ذلك تراه يقول عن المعتزلة في تقدمته لكتاب تبيين كذب المفتري: ” و لهم مواقف شريفة في الدفاع عن الدين الإسلامي إزاء الدهريين و منكري النبوة و الثنوية و النصارى و اليهود و الصابئة و أصناف الملاحدة، و ترى الذهبـي يترحم على الجاحظ في سير النبلاء حين يذكر كتابـه في النبوة، و لم نر ما يقارب كتاب “تثبـيت دلائل النبوة” للقاضي عبدالجبار في قوة الحجاج و حسن الصياغة في دفع شكوك المشككين، و ليس بجيد الإعراض الكلي عن كتبـهم و كم فيها من الفوائد التي لا تزال في أثوابـها القشيبة لم تبل بكرور الزمن عليها”.

 و الكوثري حنفي منتصر غاية الانتصار لمذهبه، و مع ذلك يكتب في مقدمته لكتاب أحاديث الموطأ: “و قد قام بتعريف ذلك أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني المتوفى سنة 385هـ بأن ألف هذا الجزء في ذلك مرتباً أحاديث الموطأ على ترتيب شيوخ مالك … و للدارقطني أيضاً جزء يذكر فيه “ما خولف فيه مالك” من أحاديث الموطأ، كما أن له “غرائب مالك ” أغلبها مناكير انفرد بها عن مالك أناس غير مرضيين. و ممن ألف في اختلاف الموطآت أبو الوليد بن الباجي. و قد رتب ابن عبد البر في التمهيد أحاديث الموطأ على ترتيب شيوخ مالك… و تلك كنوز ثمينة يهتم بها كل الاهتمام من يريد تذوق علم الحديث بوجهه راغبا في العلم للعلم. و طالب الحديث إذا عنى بادئ ذي بدء بمدارسة أحوال رجال الموطأ فاحصاً عن الأسانيد و المتون فيه تدرج – عن ذوق و خبرة – في مدارج  معرفة الحديث و الفقه في آن واحد، بتوفيق الله سبحانه فيصبح على نور من ربه في باقي بحوثه في الحديث، راقياً على مراقي الاعتلاء في العلم، نافعاً بعلمه و منتفعا به، و الله سبحانه ولي التسديد”.

و الكوثري مجل للشافعي يعرف قدره، فتراه يقول في كتابه الحاوي في سيرة الإمام أبي جعفر الطحاوي: “و كتب الطحاوي شهود صدق على ذكائه الفطري. و مثله لا يكون ممن لا يفهم المسألة مهما بولغ في تقريبها، كما أن المزني لا يستعصي عليه بيان مسألة بحيث لا يفهمها مثل الطحاوي في اتقاد ذهنه. على أن المزني ممن ورث رحابة الصدر و الصبر أمام تلاميذه من إمامه العظيم البالغ الذكاء، الصابر على تعليم من في فهمه بطء من أصحابه. و قد حكى أبو بكر القفال الروزي في فتاواه: (أن الربيع المرادي – راوية المذهب الجديد – كان بطئ الفهم فكرر عليه الشافعي مسألة واحدة أربعين مرة فلم يفهم و قام من المجلس حياء، فدعاه الشافعي في خلوة و كرر عليه حتى فهمه) – كما نقله ابن السبكي – فمن البعيد أن لا يصبر المزني مع الطحاوي في التعليم، و هو ابن أخته… “.

 و يقول أيضا في مقال بعنوان (رد أسطورة في سبب موت الشافعي): ” و صفوة القول أن الإمام الشافعي –رضي الله عنه- كان في موضع إجلال عند جميع علماء المذاهب، و لم يمت بشجة لا من أشهب و لا من فتيان و لا من غيرهما بل مات موتا عاديا بمرضه بعد أن خدم الدين خدمة عظيمة بمؤلفاته الخالدة و بأصحابه الذين تخرجوا عليه في الفقه و نشروا علمه في الآفاق”. و لله در الكوثري إذ يقول في تعليقه على كتاب الأسماء و الصفات للبيهقي و ذلك في باب الفرق بين التلاوة و المتلو: “و جلالة قدر ابن خزيمة في الفقه و الحديث لم تحل دون سقوطه حينما خاض فيما لا يحسنه، و لعل ذلك جزاء معنوي لمساعدته لمحمد بن عبد الحكم في تأليفه ذلك الرد القاسي ضد الإمام المطلبي القرشي الشافعي رضي الله عنه”.

و تراه يُصدر كتاب آداب الشافعي و مناقبه لابن أبي حاتم بقوله: “و بعد: فإن أئمة الهدى المتبوعين –رضي الله عنهم أجمعين- لهم منازل سامية في قلوب الأمة، حتى انحصر تمذهبهم في مذاهب هؤلاء السادة القادة، علما بأنهم بسعة علومهم، و عظم إخلاصهم في خدمة دين الله، فبارك الله في علومهم، و علوم العلماء المنضوين تحت راياتهم” و عن قصة الكوثري مع هذا الكتاب، يحدثنا عميد كلية اللغة الغربية بجامعة الأزهر بالمنصورة محمد البيومي على لسان الكوثري نفسه: “و كان الحافظ أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس الرازي أكثر تحريا فيما يسوق من أنباء و لذا كنت متشوقا إلى الظفر بنسخة من كتابه في سيرة الإمام الشافعي، فعلمت أن في المكتبة الأحمدية في حلب الشهباء نسخة منه، فرجوت صديقنا الأستاذ الألمعي الشيخ عبد الفتاح أبو غدة -حفظه الله و رعاه- أن يبحث عن ناسخ هناك، ينقل الكتاب على حسابي، ففعل، و تفضل بمقابلته بالأصل مقابلة دقيقة أوجبت مضاعفة شكري له، و الله سبحانه يكافئه على هذا الجميل، وبقي الكتاب محفوظا عندي إلى أن رغب الأستاذ الأديب السيد محمد عزت العطار في نشره، فنزلت على رغبته، رجاء دعوة صالحة تلحقني من المطلعين على الكتاب.” و يعلق محمد البيومي قائلا: “فالذي يبحث جاهدا عن كتاب مناقب الشافعي، ثم يعجل بنسخة على حسابه، و يدعو الناشر لطبعه لا يكون متعصبا لمذهبه وحده و لا لرجال المذهب بأعيانهم، و لكنه محب للفقهاء في كل زمان و مكان”.

و ما أورع الكوثري و هو يقول في تأنيب الخطيب: “و لو سلكنا في تفضيل الإمام أبي حنيفة هنا، ما سلكه صاحب (المدارك) القاضي عياض، في تفضيل إمامه، أو ما سلكه صاحب (مغيث الخلق) في تفضيل الشافعي، أو ابن الجوزي في (مناقب الإمام أحمد) في تفضيل قدوته، لكان مجال الكلام في ذلك متسعا جدا. لكن لا نبتعد من الحكمة مع المبتعدين، و لا نخوض في المفاضلة مع الخائضين، بل نراهم كلهم على هدى من ربهم، و ندع الناس و شأنهم في متابعة من يشاؤون منهم، على تفاوت المشارب و الأذواق، و تخالف الميول باعتبار مناشئهم و مداركهم، و نعد أنه قد برئت ذمة من يتابع أحدهم مطلقا، سواء أصاب إمامه أم أخطأ، و لإمامه أجران على تقدير الإصابة، و أجر واحد على تقدير الخطأ، و ذمة المتابع بريئة في الحالتين اتفاقا”.

و في ترجمة الكوثري لأحمد خيري مثال واضح على براءة الكوثري من التعصب. يقول أحمد خيري: ” و كان على عبقريته المدهشة -أي الكوثري- يحب أن يتعقبه العلماء -و المراد بالعلماء المدلول الصحيح لهذه الكلمة- و قد ظل يذكر السيد أحمد رافع الطهطاوي المتوفى سنة 1355 بخير دائما مع أنه تعقب بعض تعاليقه في ذيول تذكرة الحفاظ بمؤلفه (التنبيه و الإيقاظ) و لم يغضبه أبدا تأليف السيد أحمد لأن شيخنا كان يقصد من تعليقه النفع و الإفادة و تعقب السيد أحمد كان كذلك”.

و في مقدمته التي كتبها على (الاختلاف في اللفظ) ما يقطع بنزاهة رجل حريص على الحق. يقول الكوثري في المقدمة المذكورة: ” و ما كان انحراف ابن مهدي -عن أبي حنيفة- عن هوى، بل عن طيبة قلب، و إنما وقع فيما وقع بتأثير شيخه سفيان الثوري الذي مات بداره بالبصرة، بعد أن تخبأ عنده عدة سنوات لما هرب من المنصور، حين طلبه للقضاء. فورث ابن مهدي من هذا الضيف الكريم الانحراف عن النعمان، مع أن كلام الثوري فيه من قبيل النيل ممن لا تنال منزلته، كما يقع من المتعاصرين، على أن الثوري من أكثر فقهاء الأمصار موافقة لرأي أبي حنيفة في المسائل الخلافية، كما يظهر من استقراء أقوال الأئمة في الخلافيات بوجه لا يدفع، و مع ذلك كله كان ابن مهدي كثير التشدد و كثير التراجع، حتى في الأحاديث و رجالها ردا و قبولا سامحهم الله و رضي عنهم”.  فالكوثري الذي يُرمى بالتعصب لأبي حنيفة، لم يمنعه شديد توقيره و ذبه عن الإمام الأعظم من وصف الثوري بالضيف الكريم و الاعتذار عن انحراف ابن مهدي عن أبي حنيفة ثم هو يجاوز ذلك إلى الترحم على هذين العالمين.

و الكوثري في مقاله (محادثة قديمة حول الوقف الأهلي) ينادي بأعلى الصوت بنبذ التعصب الأعمى و ذلك عندما جاءه من يرى إلغاء الوقف الأهلي تعويلا على ما قال أبو حنيفة، فكان في جملة ما أجاب به: “ليس في استطاعة عالم لا يجازف، أن يلهج بحل الأوقاف من جهة من الجهات… و أبو حنيفة فيما قال متابع لشريح القاضي دون بذل الجهد بنفسه في حكم المسألة، و لو بلغته تلك الأحاديث لما تبعه، و قد أقر بذلك تلميذه البار له حيا و ميتا أبو يوسف كما روى ذلك عنه ابن أبي العوام الحافظ بسنده إليه، و من يكون أعلم بحال أبي حنيفة من تلميذه المذكور؟ و المجتهد كثيرا ما يتابع بعض من تقدمه من أهل العلم في مسألة بدون أن يفحص الدليل، و لأبي حنيفة مسائل تابع فيها أمثال شريح و النخعي من غير أن يبذل المجهود في معرفة دليل قول منها، لكن إذا وضح الحق و ظهرت الحجة في خلاف ذلك القول فليس يصح أن يعزى إلى اجتهاده ما تابع فيه سواه بدون دليل ثم ظهر خطأ متبوعه كوضح الصبح، لأن الاجتهاد إنما يكون فيما لا نص فيه”.

ثم قال الكوثري في أواخر مقاله هذا: “و ظني أن كلامي لم يخل من تأثير عليه و إن كان مجيئه على أمل أن يجد عندي ما يتأيد به من مصادر الحجج في سبيل ما هو فيه حيث كان يظن بي -من بالغ إجلالي لأبي حنيفة و مزيد تمسكي به- أني أتصلب لكل رأي يروى عنه بدون تخير و لا نظر إلى ما هو من استنباطاته بحججه الباهرة، و إلى ما هو من آراء من تقدمه و قد تابعه من غير نظر، فإذ ذاك أكون (متشررا) لا متخيرا”.

و الكوثري بالرغم من كونه محام بارع لا يستنكف عن الذب عن حوزة الأحناف و الانتصار لآرائهم و علمائهم، فإنك تراه مع ذلك لا يتورع عن نقد من زلت به القدم من علماء الأحناف. فالكوثري قد قسا على الشيخ أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي الحنفي في كتابه “حسن التقاضي في سيرة الإمام أبو يوسف القاضي” و كان من جملة ما قاله: ” و لا بأس أن أتحدث في الختام، عن الحبر الهمام الشيخ أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي رحمه الله، لكثرة تعرضه لمباحث الاجتهاد و تاريخ الفقه في كتبه باندفاع و جرأة، على كدورة في تفكيره، و تحكّم في تصويره مع ضيق دائرة اطلاعه على كتب المتقدمين و قلة دراسته لأحوال الرجال و تاريخ العلوم و المذاهب مسترسلا في خيال أدى به إلى الشطط في كثير من بحوثه و تقريراته و كتبه لها روعة و فيها فوائد بيد أن له فيها انفرادات لا تصح متابعته فيها لما عنده من اضطراب فكري ينأى به عن الإصابة في تحقيق الموضوع، و يشطح به التابع من المتبوع، و في كثير من الأحوال تجد عنده عبارات مرصوصة لا محصّل لها عند أهل التحصيل، فأشير هنا إلى منشأ هذا الاضطراب الفكري عنده ليكون من لم يدرس حياته على بيّنة من أمره، و أما التوسع في بيان ما في انفراداته من الشطط فيحتاج إلى تفرغ خاص. و له رحمه الله خدمة مشكورة في إنهاض علم الحديث في الهند، لكن هذا لا يبيح لنا السكون عما ينطوي عليه من أعمال تجافي الصواب” ثم تحدث عن علم الدهلوي و ما في آرائه و أقواله من اضطراب.

و في “فقه أهل العراق و حديثهم”، تكلم الكوثري عن اللكنوي الحنفي فقال: “الشيخ محمد عبد الحي اللكنوي، أعلم أهل عصره بأحاديث الأحكام، المتوفي سنة 1304، إلا أن له بعض آراء شاذة، لا تقبل في المذهب، و استسلامه لكتب التجريح من غير أن يتعرف دخائلها، لا يكون مرضياً عند من يعرف ما هنالك”. و في مقالته التي ترجم فيها للشيخ إسماعيل الحنفي صاحب “روح البيان في تفسير القرآن” قال: “و له من المؤلفات ما يزيد على مائة مؤلف، فمنها “روح البيان في تفسير القرآن” في أربعة مجلدات ضخام، للوعاظ شغف عظيم به لما فيه من الحكايات المرققة للقلوب، و فيه نقول كثيرة عن كتب فارسية، و فيه كثير من إرشادات الصوفية بل يكثر النقل فيه من التأويلات النجمية لصاحب “منارات السائرين”، و فيه أيضا من وجوه البيان ما تستلذ به الأسماع، إلا أن له لا يتحاشى عن النقل عن كل من هب و دب على غلوه في وحدة الوجود”.

و الكوثري ناقش ردود ابن أبي شيبة على أبي حنيفة في النكت الطريفة برحابة صدر دون تهميش لرأي الخصم، فتراه يقول في مسألة كسر القصعة و ضمانها: “و على كل حال أمر الخلاف سهل من غير أن يُرمى أحد الفريقين بمخالفة الجديث”، و في مسألة ما تتلفه الماشية بالليل، قال: “على أن للكلام في المسألة متسعا عند أهل الاجتهاد. فلا يعد أبو حنيفة مخالفا للحديث الصحيح بمثل هذا، بل يكون مخالفا لرأي بعض المجتهدين و له ذلك”، و في مسألة صدقة الخيل و الرقيق، قال: “فظهر من ذلك أن أبا حنيفة لم ينفرد بتلك المسألة، و أن له مدارك قوية و حججا ناهضة مع الاعتراف بأن الاجتهاد في هذه المسألة له متسع، فلا نتسرع في تخطئة أحد الطرفين. و الله سبحانه أعلم”، و على هذا فقس كثيرا من مناقشات الكوثري لمسائل الكتاب.

فبعد هذا البيان تتهاوى دعاوى أولئك الرامين للكوثري بالتعصب دون وازع أو رادع. سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام على المرسلين و الحمد لله رب العالمين.

موقع الإمام الكوثري

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s